حزب اتحاد الرشاد يقدم رؤيته حول جذور القضية الجنوبية (نص الرؤية)

قدم حزب اتحاد الرشاد اليمني اليوم الأحد رؤيته للقضية الجنوبية حيث حددت الرؤية التي قدمها أمين عام الاتحاد محمد موسى العامري جذور القضية الجنوبية من خلال عدد من الممارسات السياسية والاقتصادية الخاطئة.

ووزعت تلك الرؤية الممارسات الخاطئة إلى مرحلتين، الأولى وتبدأ منذ استقلال الجنوب عن بريطانيا في نوفمبر 67 م وتستمر حتى إعلان الوحدة في مايو 90 م والمرحلة الثانية وتبدأ من مايو 90م وحتى حرب صيف 94م .

وحسب الورقة فقد تمثلت جذور القضية قبل الوحدة في عدد من الأخطاء ومنها انفراد الجبهة القومية بالسلطة في الجنوب وسياسة الاستبداد والإقصاء وسياسة الارتهان للخارج، وتأميم الممتلكات، وسياسة فصل الدين عن الدولة والحياة وانتهاك الحقوق والحريات، والعداء والصراع مع المحيط الاقليمي.

كما حددت الرؤية أخطاء المرحلة الثانية في الاستبداد والانفراد بقرار الوحدة من قبل الحزب الاشتراكي، والقراءة السياسية الخاطئة لنظام صنعاء من قبل الحزب الذي ظن أن النظام في الشمال كان آيلا للسقوط.

وتحدثت الرؤية عن صراع الهوية في دستور دولة الوحدة، والاغتيالات السياسية لبعض قادة الحزب الاشتراكي اليمني وأخيرا وثيقة العهد والاتفاق.

وتمثلت سمات هذه المرحلة بحسب الورقة في انفراد المؤتمر الشعبي العام والإصلاح بالقرار السياسي واتساع دائرة المعارضة السياسية، وتردي الأوضاع الامنية والاقتصادية، وتجاهل الحقوق والاستحواذ على الوظيفة العامة وعجز الدولة وفشلها عن إقامة دولة المؤسسات.

وخلصت الورقة إلى ان اقتطاع الاحتلال البريطاني للجزء الجنوبي من اليمن وتقاعس نظام الإمامة عن مقاومته تعد من جذور القضية الجنوبية بالإضافة الى سياسية الاستعمار البريطاني قبل رحليه في زرع بذور الفتنة بين أبناء الجنوب فيما عرف بصراع الجبهة القومية مع جبهة التحرير، وتسليمه مقاليد الحكم للجبهة القومية، وانسياق الجبهة القومية منذ لحظات الاستقلال إلى إقصاء الأطراف السياسية والاجتماعية عن المشهد السياسي في الجنوب، وقيام الحزب الاشتراكي على نظرية سياسية واقتصادية وثقافية تتنافى مع ثوابت ومصالح المجتمع في المحافظات الجنوبية.

 

نص الرؤية

 

الجمهورية اليمنية

اتحاد الرشاد اليمني

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.

وبعد:

فلقد خلق الله الإنسان لعبادته, وأرسل سبحانه الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالعدل,  {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}, وأعظم العدل توحيد الله سبحانه وتعالى والانقياد لحكمه, والاستجابة لأمره في جميع شؤون الحياة.

ولله في خلقه سنن وقوانين ثابتة لا تتغير {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا} ومن هذه السنن:-

•             سنة زوال النعم وانقراض الأمم بغياب العدل وفشو الظلم {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا}.

•             سنة مسؤولية الناس عن رقيهم وانحطاطهم {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

وهذه السنن وغيرها تسري على عموم الخلق لا تخص شعبا دون غيره وما يجري في بلادنا ليس بمعزل عن هذه السنن.

لذا فإن سبر أغوار تاريخنا السياسي ومعرفة جوانب الاختلالات المتعاقبة عبر عقود من الزمن أمر في غاية الأهمية لأن القطيعة التاريخية في التعامل مع الحاضر والمستقبل تسوق إلى التخبط الأعمى في مسارات الحياة.

وعندما نسلط الضوء -بصورة مختصرة- على جذور القضية الجنوبية وكيفية الإفادة من ذلك في بناء يمن جديد فلا يعني ذلك بأية حال أن ننكأ الجراحات أو ننبش العداوات والإحن لما في ذلك من السلوك المذموم شرعا والمتنافي مع قيمنا الإسلامية النبيلة التي تهدف إلى ردم فجوة الخصومات وتعميق وترسيخ مفهوم الإخوة الإيمانية بعيدا عن النعرات والعصبيات الجاهلية التي جاء الإسلام للقضاء عليها.

وإنما المقصد الأسمى من ذلك كله هو الوقوف على جوانب الخير فتتبع وجوانب الشر فتجتنب مع التأكيد على عدم بخس الناس أشياءهم وحقوقهم المادية والمعنوية إذ الحقوق في الشريعة الإسلامية وفي القوانين البشرية لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء .

وبالنظر والتشخيص لأبعاد وجذور القضية الجنوبية فإن "حزب الرشاد اليمني" يرى أن هذه الجذور تتمثل في ثلاث مراحل كل مرحلة مرتبطة بأختها وآخذة بتلابيبها مقدمة وممهدة لما بعدها يصعب أن تفهم كل مرحلة دون سابقتها ولاحقتها.

 

المرحلة الأولى: تبدأ عام 1967م.

توطئة:-

في عام 1839م اقتطع الاحتلال البريطاني الجزء الجنوبي من بلاد اليمن وأقام فيها المحميات ليتحرز بها من تمدد العثمانيين في شمال اليمن.

وعلى إثر انسحاب العثمانيين من اليمن ناشد قائد الجيش العثماني إمام اليمن باستلام ولاية لحج التي كانت بأيدي العثمانيين غير أن الإمام يحيى حميد الدين قد قابل هذا العرض بالتقاعس والعجز عن القيام بمسؤولياته تحاشيا من الدخول في صراع مع الانجليز وبسبب دخوله صراعات في مناطق أخرى ثم توالت الأحداث حتى نتج عن ذلك تداعيات أدت في محصلتها النهائية إلى تهيئة الظروف لإقامة تشطير اليمن إلى دولتين في شماله وجنوبه

وملخص هذه المرحلة التي بدأت عشية استقلال جنوب اليمن 30/نوفمبر/1967م, والتي بدأ التحضير لها منذ منتصف الخمسينات على أيدي المناضلين من أبناء اليمن الذين قرروا مقاومة الاستعمار البريطاني سواء كانوا أفرادا أو منظمات تمخضت فيما بعد إلى كتلتين رئيسيتين وهما "جبهة التحرير" "والجبهة القومية" رافقهما علاقات تقترب أحيانا وتفترق وتتقاتل أحيانا أخرى ما أدى في نهاية المطاف إلى إقصاء جبهة التحرير وتشريدهم من أوطانهم.

سمات هذه المرحلة:-

1.            انفراد الجبهة القومية واستلام سلطة الجنوب

 وبذلك تكون الجبهة القومية قد انفردت بقيادة جنوب اليمن و ساعد على ذلك تسليم الحكومة البريطانية مقاليد الحكم للجبهة القومية مع معسكرات الجيش.

وبالتأكيد فإن اختيار البريطانيين للجبهة دون التحرير لم يكن عفويا أو بعيدا عن الأهداف السياسية التي تتمثل في مقاصد منها:-

1.            إقصاء جبهة التحرير لعمقها الشعبي وتوجهها العروبي ذي الصلة بحركة القوميين العرب المدعومة من الرئيس جمال عبد الناصر.

2.            إقامة نظام تشطيري وقطع الطريق أمام أي توجهات وحدوية نظراً لأن جبهة التحرير كانت على علاقة متينة مع القادة السياسيين في شمال اليمن, بينما كانت الجبهة القومية على خلاف ذلك.

3.            تمكين الفريق الأضعف (الجبهة القومية) واستمرار التواصل ببعض أجنحتها التي ظلت على صلة موالية للنظام البريطاني.

4.            تنازل الجبهة القومية عن استحقاقات فترة الاستعمار البريطاني لجنوب اليمن.

5.            نكاية البريطانيين بأبناء الجنوب لمساندتهم لثورة الاستقلال, وهي السياسة البريطانية مع مناطق متعددة في العالم الإسلامي {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ},

6.            وجود تنسيق بريطاني سوفيتي في الوقت الذي لم تكن فيه العلاقة البريطانية الأمريكية على وئام, ما يعني أن تسليم السلطة لجبهة التحرير قد يتجه بالمسار السياسي نحو التوجه الأمريكي أسوة بدول المنطقة التي كان لجبهة التحرير علاقاتها الدولية المتميزة بمحيطها الإقليمي.

2.            سياسة الاستبداد والإقصاء.

قامت الجبهة القومية على سياسة الاستبداد والإقصاء لكل من خالفها من أتباعها فضلا عن من عارضها من خارجها ومن ذلك:-

‌أ.              إقصاؤها لجبهة التحرير من المشهد السياسي.

‌ب.           إبعاد السلاطين( ) والشخصيات الاجتماعية والتخلص منهم.

‌ج.            إقصاؤها للرئيس قحطان الشعبي وإيداعه السجن ومن معه بعد سنة وبضعة أشهر.

‌د.             تصفية الرئيس سالم ربيع علي (سالمين) عام 78م ومن معه بناء على رؤى واختلافات فيما بينهم.

‌ه.             الاستمرار في الصراعات ومواصلة سلسلة الإقصائات والتصفيات إلى أن جاءت القاصمة في أحداث يناير 86م.

3.            سياسة الارتهان للخارج.

ونتيجة لهذا التوجه الماركسي للحزب الحاكم فقد وضع جنوب اليمن بإرادته السياسية وموارده الاقتصادية وقوته البشرية ومياهه الإقليمية تحت تصرف ونفوذ الاتحاد السوفيتي دون مقابل يذكر أو انتفاع لأبناء جنوب اليمن سوى المديونية بمليارات الدولارات للسوفيت التي تحملتها دولة الوحدة فيما بعد. وبهذه السياسة تحولت المنطقة من احتلال بريطاني إلى نفوذ سوفيتي أسوأ بكثير من سلفه.

4.            سياسة تأميم الممتلكات

قام النظام الاقتصادي في جنوب اليمن منذ عام 69م على النظرية الاشتراكية في التملك والثروة والإنتاج حتى غدا منفردا في محيطه الجغرافي منعزلا عن دول الجوار في سياستها الاقتصادية الحرة وقد نتج عن ذلك  نظرية التأميم الزراعي والعقاري خلال عامي 72-73م وتأميم الممتلكات التجارية والصناعية لملكية الحزب أعقب ذلك نزوح وهروب أصحاب رؤوس الأموال إلى خارج البلاد بعد أن كانت عدن أهم وأبرز المراكز التجارية في جزيرة العرب.

وهكذا استمرت الأحوال في التدهور الاقتصادي على مستوى الفرد يوما بعد يوم مع انعدام أي جهود لعمليات البحث والتنقيب عن الثروة, واكتفت ببعض المنتجات الزراعية وشيء يسير من الثروة السمكية التي أدت إلى أن يعيش المواطن على مستوى زهيد في شتى مناحي الحياة مع انخفاض حاد للدخل الفردي وانسداد آفاق الأعمال المهنية الحرة التي كان لها بالغ  التأثير على الناس بعد قيام الوحدة.

لهذه الأسباب وغيرها كان لا بد من التعجيل والسير قدما إلى تحقيق الوحدة اليمنية.

5.            سياسة فصل الدين عن الدولة والحياة.

يعتبر التدين في جنوب اليمن ضارباً في القدم منذ ظهور نور الإسلام في اليمن, وقد استمرت العقيدة الإسلامية يتوارثها الناس جيلا بعد جيل حتى غدت جنوب اليمن منطلقا للدعوة الإسلامية في الهند وإفريقيا وجنوب شرق آسيا عبر المهاجرين من أهل حضرموت الذين نشروا تعاليم الإسلام في تلك البلاد التي يتواجد فيها ما يزيد على خمسمائة مليون مسلم.

 لكن نظام الحكم الشمولي في جنوب اليمن -مع كل أسف- قد تجاهل هذا الموروث الحضاري حينما أعلن التوجه الماركسي عام 69م واتجه إلى فرضه ونشره بشتى الأساليب التي كانت محل استياء وسخط ومقاومة أبناء الشعب في جنوب اليمن .

وكان من آثار هذا التوجه أن تم فصل الدين عن الدولة والحياة السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها.

وتبع ذلك ما قامت به السلطة من قتل وسحل وتشريد المئات من العلماء والخطباء تحت شعار "الموت للكهنوت, ومحاربة الرجعية" ومورست أخطاء شنيعة بحق أبناء جنوب اليمن حيث غيبت أحكام الشريعة الإسلامية عن الدولة وسياسة الحكم, وشرعت أحكام للأسرة تخالف الإسلام, وعادات وتقاليد وقيم المجتمع ومنعت الدروس والندوات الإسلامية من المساجد وكممت أفواه العلماء والمصلحين, وحوربت كتب الثقافة الإسلامية ومنع استيرادها واعتبرت مادة الدين في المناهج الدراسة من المواد الهامشية والثانوية في الوقت الذي قاموا فيه بتدريس النظريات الشيوعية والماركسية, والاشتراكية العلمية والترويج لها, وحورب الحجاب ومنع في المدارس الثانوية والجامعية, والوظائف العامة.

كل ذلك وغيره مما لم يذكر قد أدى إلى قطيعة حقيقية بين الشعب والسلطة التي لا يربطهم بها سوى آلية القمع والإرهاب مما جعل الشعب ينتظر يوم الخلاص من هذه الأوضاع المأساوية.

6.            انتهاك الحقوق والحريات

وأما البعد الحقوقي للقضية الجنوبية في هذه المرحلة فقد أصيب في مقتل بسبب السياسة الخاطئة التي انتهجها الحكم الشمولي في تلك المرحلة.

فالحقوق السياسية والتعددية ذهبت أدراج الرياح وكرس في هذه الحقبة لا صوت يعلو فوق صوت الحزب نظريا وعمليا ويكفي لمعرفة هذه الحقيقة أن نقرأ النص الدستوري في دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبة المادة رقم (3) :" الحزب الاشتراكي اليمني المتسلح بنظرية الاشتراكية العلمية هو القائد والموجه للمجتمع والدولة وهو الذي يحدد الأفق العام لتطوير المجتمع وخط السياسة الداخلية والخارجية للدولة ويقود الحزب الاشتراكي اليمني نضال الشعب ومنظماته الجماهيرية نحو الانتصار التام لإستراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية وصولا إلى بناء الاشتراكية وتعمل جميع منظمات الحزب في إطار الدستور"

وجرم على إثر ذلك أي نشاط سياسي خارج منظومة الحزب وطورد السياسيون وحوكموا محاكمة غير عادلة وعذب كثير منهم وقتل آخرون دون أن يعلم ذووهم عن مصيرهم إلى الآن.

وكذا الحقوق المدنية والاجتماعية وغيرها أصابها ما أصابها من الحظر خارج إطار الحزب وصودرت الحريات المخالفة للحزب, ومورس الاضطهاد الفكري والثقافي والأدبي على المخالفين لتوجه الحزب.

وهكذا الحقوق الشخصية المتعلقة بالتملك والاستثمار والتنقل والأسفار انتهكت وصودرت مع ما صاحبها من ترويع الآمنين والمداهمات الليلية والقتل خارج إطار القانون والقضاء.

كل هذه الممارسات وغيرها قد أسهمت في الترقب لساعة التولي من هذه المرحلة.

 

7.            العداء والصراع مع المحيط الإقليمي.

اتسمت السياسة العامة والعلاقات الخارجية في تلك الحقبة بأنواع من الصراعات مع المحيط الإقليمي سواء في دول الخليج كسلطنة عمان والسعودية تحت شعارات محاربة الامبريالية وتصدير الثورة الاشتراكية العلمية أو القرن الإفريقي أو الشطر الشمالي لليمن فيما يعرف  بالجمهورية العربية اليمنية التي خاض الحكم الشمولي معها حروبا متعددة وما صاحب تلك المرحلة من تصدير للفكر اليساري عبر آلة القتل إلى المحافظات الشمالية فيما عرف بمرحلة التخريب ونتج عن ذلك أحداث مؤلمة من قتل وإعاقة وترويع الآلاف في المناطق الوسطى وغيرها, عبر وسائل غير إنسانية كزراعة الألغام وتسميم الآبار وغير ذلك من الوسائل البشعة.

 

المرحلة الثانية: وتبدأ بقيام الوحدة عام 1990م حتى عام 1994م

ونتيجة لما سبق ولأسباب عديدة ليس هذا محل بسطها كان من أهمها الأحداث الدامية التي حصلت بين الرفاق في 13 يناير 1986م والتي ذهب ضحيتها الآلاف وما تلاها من انقسام حاد بين ما يسمى بالزمرة –وهم أنصار علي ناصر محمد- والطغمة التي بقيت على الحكم في الجنوب مع بقاء موروثات الصراعات السياسية داخل منظومة الحكم كذلك انهيار الاتحاد السوفيتي وقيام "البروستريكا" في المنظومة الاشتراكية وانقطاع الصلات الاقتصادية والسياسة واللوجستية معها فقد سارع الرفاق إلى الخروج من هذه الأزمة بالعمل الجاد والمسارعة نحو التوجه إلى قيام الوحدة اليمنية عام 1990م والتي كانت بمثابة طوق النجاة للمنظومة الحاكمة في جنوب اليمن.

سمات هذه المرحلة.

1.            الاستبداد والانفراد بقرار الوحدة.

بما أنه لم يعد هناك مكونات سياسية في جنوب اليمن سوى الحزب الاشتراكي فقد اتجه الحزب إلى قرار الوحدة منفردا عن أي منظومة سياسية جنوبية وكان يفترض على الأقل أن يكون للقوى السياسية والعسكرية التي تواجدت في شمال اليمن -على إثر أحداث 86م- وهم أنصار الرئيس على ناصر محمد حظ  في التشاور حول آلية اتخاذ قرار الوحدة واستمرارية بقائها دون أن تتعرض للاختلال , لكن الحزب وكعادته في سياسة الإقصاء طالب بطردهم وهو بالفعل ما استجابت له صنعاء, كما أصروا على عدم إدخالهم في القسمة والشراكة في دولة الوحدة, ولا ريب أن هذه النظرة الاستبدادية قد ساهمت إلى حد كبير في غياب النظرة الموضوعية لمشروع الوحدة الذي يضمن الشراكة السياسية لأبناء الجنوب في الحكم.

وأما أبناء الشعب في الشمال والجنوب فقد باركوا هذه الوحدة وأيدوها وأصبحت بالنسبة لهم تمثل التجسيد الحقيقي لأحلامهم التي طالما كانوا يتطلعون إلى تحقيقها في حياتهم, ولذلك فقد تم استفتاء الشعب على دستور دولة الوحدة وأقيمت انتخابات برلمانية ورئاسية كانت عبارة عن الموافقة الإجماعية والقبول التام بتحقيق الوحدة اليمنية.

2.            القراءة السياسية الخاطئة لنظام صنعاء.

وقع الحزب الاشتراكي في قراءة خاطئة لطبيعة الوضع السياسي والاجتماعي في شمال اليمن؛ حيث ظن الرفاق أن النظام الشمالي قد أصبح قاب قوسين أو أدنى من السقوط والتردي وقد ساعده على هذه الظنون بعض من زين له أن أبناء تعز والمناطق الوسطى والبيضاء وغيرها ينتظرون قدومه بفارغ الصبر وممن ساهم في ذلك بعض الجهات الاجتماعية والقبلية التي كانت تدين له بالولاء وتستمد معوناتها من الحزب الاشتراكي في فترة التشطير.

ومع أن منطق الأمور والمؤشرات لا يساعد على هذا الاتجاه بسبب تصدع المنظومة الشرقية الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي إلا أن هذه المؤشرات كانت هي الأضعف لدى صناع القرار في الحزب, وقد ترتب على هذه القراءة الخاطئة الغفلة السياسية عن إيجاد آلية لتحقيق الشراكة السياسية لأبناء المحافظات الجنوبية؛ لذا فقد كانت اتفاقية الوحدة عبارة عن صفحة ونصف فقط بينما كانت الاتفاقية في الوحدة الألمانية مكونة من 1200 صفحة.

3.            صراع الهوية في دستور دولة الوحدة.

انشغل الحزب الاشتراكي بصراع الهوية التشريعية في دستور دولة الوحدة ودخل أو استدرج إلى خصومات في بداية الوحدة حول الهوية وحول الشريعة الإسلامية وكونها مصدرا لجميع التشريعات مع غفلتة عن آلية الحكم الصحيحة, وبنائها في دستور دولة الوحدة.

إضافة إلى ذلك وهو أمر لا بد من ذكره وهو انشغال الرفاق بمصالحهم الشخصية دون استجابة لبعض الأصوات التي كانت تنادي بتصحيح مسار الوحدة.

وفي هذه المرحلة تمت الانتخابات النيابية عام 93م والتي أظهرت حجم الكارثة بالنسبة للحزب الاشتراكي اليمني حيث لم يتحصل إلا على 20% من مجلس النواب أي 54 مقعدا من أصل 301 مقعد لضعف امتداده في الشمال وتقلص شعبيته في الجنوب ومن حينها ذهبت السكرة وجاءت الفكرة وأدرك الحزب الاشتراكي أنه إذا ما استمر نظام الحكم بموجب الدستور الحالي فإن مصيره إلى الانقراض التدريجي والموت البطيء ونتيجة لذلك بدأ الحنين إلى الماضي وإلى عودة الأمور إلى ما قبل 90م وإلى التفكير بفك الارتباط وتدخلت قوى إقليمية في تنمية هذا الاتجاه.

وقد زاد من قناعة الحزب الاشتراكي بذلك تأخره في تلك الانتخابات إلى المرتبة الثالثة وصعود ثاني قوة في السياسة اليمنية وهو التجمع اليمني للإصلاح الحليف التاريخي حينها للمؤتمر الشعبي العام والخصم التاريخي للحزب الاشتراكي.

4.            سلسلة الاغتيالات لبعض قادة الحزب الاشتراكي.

وفي هذه المرحلة زادت الأمور تعقيدا بسبب سلسلة الاغتيالات المتعددة لبعض قيادات الحزب الاشتراكي اليمني فسرت من قبل البعض بأنها خصومات تاريخية وثارات سياسية وتصفية حسابات وفسرت من جهات أخرى بأنها شروع ممنهج للتخلص من شريك الوحدة وفسرتها جهات أخرى بأنها أعمال لجهات فكرية إسلامية جهادية.

وأيا ما كان في واقع الأمر فقد قوبلت هذه الأعمال بفتور من الجهات المعنية بحيث لم يكشف عن المرتكبين لهذه الاغتيالات ولم يتم تقديم الجناة إلى القضاء وكشف حقيقتهم للرأي العام وهو ما زاد من تفاقم الأمور بين شريكي الحكم أولا ثم شركاء الحكم فيما بعد المؤتمر والإصلاح من جهة والحزب الاشتراكي من جهة أخرى.

5.            وثيقة العهد والاتفاق.

وبعد سلسلة من إجراءات التفاوض بين فرقاء العمل السياسي عبر وساطات قبلية وسياسية محلية باءت بالفشل وزادت الأمور تعقيدا وأصبحت مؤشرات الحرب تلوح للعيان وكثرت الاتهامات والملاسنات والمناكفات الإعلامية حصل التدخل الخارجي وتوجه الفرقاء إلى العاصمة الأردنية "عمان" وتم الاتفاق على وثيقة "العهد والاتفاق" والتي لم يجف حبر ورقها بعد حتى غدر بها ونكث بها وأضحى كل طرف يرمي خصمه بالانقلاب على هذه الوثيقة  والتسبب في قيام حرب عام 1994م.

 

المرحلة الثالثة: منذ حرب 94م فما بعدها.

توطئة:

من المهم أن نوضح أن هذه الحرب لم تكن بين شمال اليمن وجنوبه وإنما هي حرب بين اتجاهات سياسية وشركاء في السلطة.

ذلك أن تصوير الحرب على أنها احتلال الشمال للجنوب أمر في غير محله بدليل أن كثيرا من القادة والجيش الذين شاركوا في الحرب كانوا من أبناء الجنوب.

ومن جهة أخرى لم يكن منطلق هذه الحرب يعود إلى فتاوى دينية فإن ذلك لم يحصل من عالم معتبر وإن كان قد وجد من يبرر الحرب إما باعتبارها حربا بين الشرعية والبغاة أو باعتبار تقدير المصالح والمفاسد لكن هذا شيء, وما يشاع بإباحة دماء الجنوبيين وتكفيرهم شيء آخر ليس له وجود في الواقع وإنما هي دعاوى ممنهجة لإسقاط قيمة الفتوى الشرعية ومكانة العلماء في المجتمع ليس إلا, وهو نوع من الترويج والمكايدات السياسية.

ويؤكد ما ذكرناه في هذا المقام أن أحدا في جنوب اليمن بعد انتصار ما عرف بقوات الشرعية لم يتحدث عن الاحتلال ولم توجد أي مقاومة لهذا الاحتلال لا سلمية ولا غير سلمية بل ظلت الأوضاع تسير بوضع شبه طبيعي إلى أن جاءت انتخابات 2007م.

سمات هذه المرحلة:-

1.            انفراد المؤتمر الشعبي العام والإصلاح بالقرار السياسي.

بعد قيام حرب 1994م بفترة دخلت القضية الجنوبية منعطفا تاريخيا جديدا ترتب عليه تداعيات مختلفة وأفرزت ظروفا متعددة للعملية السياسية فأحد الشركاء أزيل من المعادلة السياسية وبقي الشريكان فقط المؤتمر والإصلاح في وئام لما يقرب من عقد من الزمان بدأت بعدها المكايدات والمماحكات السياسية بينهما وبدأت قيادة المؤتمر السياسية تتجه نحو الانفراد بالسلطة والتخلص من الشريك الثاني الذي لم يعد له حاجة وهو التجمع اليمني للإصلاح باعتباره كرتا انتهت صلاحيته كما قيل بعد ذلك! ولم يعد حينها النظام محتاجا إلى هذه الشراكة.

2.            اتساع دائرة المعارضة السياسية.

وقد كان من الطبيعي بعد فقدان الشريكين (الاشتراكي والإصلاح) لمواقعهم في النفوذ أن تجمعهم مصيبة الإقصاء وتسوقهم متحالفين إلى المسرح السياسي بتشكيل, معارضة قوية للسلطة تمثلت في أحزاب اللقاء المشترك التي دأبت على تعبئة الرأي العام بمخاطر الاستبداد والانفراد بالقرار السياسي وعملية التوريث والاستحواذ بمقدرات وثروات الشعب اليمني توجت بأكبر معارضة سياسية للنظام خاضها اللقاء المشترك في الانتخابات الرئاسية عام 2007م في الوقت الذي بدأت دائرة الاحتجاجات السلمية في الحراك الجنوبي وغيره تتسع يوما بعد يوم.

وقد استغلت أطراف سياسية -من باب المكايدة للحزب الحاكم- مطالب الحراك الحقوقية في بداية الأمر وروجت لها وقامت بتشجيعها حتى تبلورت في حراك سياسي يطالب بالانفصال دون أن تدرك هذه الجهات النظر في مآلات الأمور مع ما قامت به وسائل إعلامية غير مسؤولة في إذكاء روح العنصرية والعصبية الجاهلية التي تنافي رابطة الأخوة الإيمانية.

 

3.            تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية.

وفي هذه المرحلة كثرة الاختلالات الأمنية, وفقدت الدولة سيطرتها على بعض مناطق اليمن كما في حروب صعدة مع دخول أطراف إقليمية تدفع باتجاه الفوضى وتغذية الصراعات, وزادت أعمال النهب وتفاقم الفساد المالي والإداري مع غياب المؤسسة القضائية وتجذرت شجرة الفساد في ربوع اليمن

وتم في هذه الظروف إطلاق أيدي العابثين والتستر على أعمالهم المشينة المتعلقة بنهب الأراضي والعبث بالثروات العامة وتغلغل مافيا الفساد في النفط والغاز وغيرها, مع ترد مروع للأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة, وغياب أو ضعف فرص العمل, وهو الأمر الذي زعزع الثقة بقدرة النظام على تصحيح أوضاعه ومعالجة مشكلاته.

4.            تجاهل الحقوق والاستحواذ بالوظيفة العامة.

تجاهلت السلطة كثيرا من المطالب الحقوقية لأبناء المحافظات الجنوبية والمتمثلة في معالجة آثار الحرب, وإعادة الموظفين المدنيين والعسكريين المسرحين قسرا إلى أعمالهم ووظائفهم وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم.

ومع مرور الأيام شيئا فشيئا  هيمن الحزب الحاكم وحلفاؤه وبخاصة من أبناء المحافظات الشمالية على الوظائف العامة العليا, وتم تهميش القيادات الجنوبية الفاعلة مع تمكين القيادات الموالية للسلطة التي لا تحظى برصيد شعبي في المحافظات الجنوبية.

5.            عجز الدولة وفشلها في إقامة دولة المؤسسات.

فشلت الدولة في معالجة آثار حرب 94م, وعجزت عن إقامة دولة المؤسسات, وكانت الأقدار والسنن قد أحاطت بها من كل مكان وقامت ثورات الربيع العربي التي كانت بمنزلة القشة التي قصمت ظهر البعير وتسببت في رحيل رأس النظام, والدخول في مرحلة التسوية السياسية المتمثلة في المبادرة الخليجية وما تفرع عنها وهو ما نشهده اليوم من أعمال مؤتمر الحوار الوطني الشامل.

نخلص من هذا كله إلى أن القضية الجنوبية ترجع إلى جذور أهمها:-

1.            اقتطاع الاحتلال البريطاني للجزء الجنوبي من اليمن وتقاعس نظام الإمامة عن مقاومته بل اعترف بحكومة المستعمر وحدود مستعمرته.

2.            سياسية الاستعمار البريطاني قبل رحليه في زرع بذور الفتنة بين أبناء الجنوب فيما عرف بصراع الجبهة القومية مع جبهة التحرير, وتسليمه مقاليد الحكم للجبهة القومية.

3.            انسياق الجبهة القومية منذ لحظات الاستقلال لإقصاء الأطراف السياسية والاجتماعية عن المشهد السياسي في الجنوب.

4.            قيام الحزب الاشتراكي على نظرية سياسية واقتصادية وثقافية تتنافى مع ثوابت ومصالح المجتمع في المحافظات الجنوبية.

5.            الارتهان لنفوذ الاتحاد السوفيتي الذي استغل مقدرات وأراضي جنوب اليمن دون أن ينال أبناء الجنوب منه إلا الديون التي أثقلت كاهله.

6.            الصراع المستمر بين أجنحة السلطة في الجنوب والذي تبلور في حرب 86م وتداعياتها.

7.            الانفراد بقرار الوحدة من السلطة الحاكمة في الجنوب دون إشراك أي طرف سياسي آخر من أبناء الجنوب.

8.            دستور دولة الوحدة الذي لم تصغ فيه آلية الحكم بما يكفل شراكة فاعلة وحقيقية لأبناء الجنوب.

9.            تمرد علي سالم البيض ومن معه على نتائج انتخابات 93م واتجاهه للانفصال.

10.          انفجار حرب 94م وعدم إصلاح ما ترتب عليها من آثار.

11.          انفراد الحزب الحاكم في الشمال بالسلطة بعد حرب 94م, وإقصاؤه لشركاء الوحدة وغيرهم.

12.          الفساد المالي والإداري العام في جميع مؤسسات الدولة والمستشري في كل مناطق اليمن غير أن أبناء المحافظات الجنوبية كان شعورهم بالظلم والغبن أكثر من غيرهم لأسباب تاريخية وسياسية.

13.          استغلال بعض القيادات الجنوبية للأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية العامة في اليمن بأنها ممنهجة ضد أبناء الجنوب لتحقيق مآرب سياسية على حساب مصالح أبناء المحافظات الجنوبية.

14.          الاختلاف في المستوى المعيشي والاقتصادي بين أبناء المحافظات الشمالية والجنوبية بسبب سياسات الشطرين الاقتصادية مما جعل أبناء الشمال يتجهون لاستثمار أموالهم ومهاراتهم في المحافظات الجنوبية, الأمر الذي أدى إلى شعور أبناء المحافظات الجنوبية باستفادة أبناء الشمال من الوحدة دونهم.

خاتمة:-

بعد هذا السرد لجذور القضية الجنوبية ومسبباتها نستطيع القول بأن محتوى القضية الجنوبية اليوم قد أصبح يحمل في طياته مضامين الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

فالحقوق السياسية تتمثل في شراكة أبناء المحافظات الجنوبية في السلطة بما يتلاءم مع حقوقهم المشروعة وتاريخهم النضالي.

وهي حقوق اقتصادية تتمثل في الاستفادة من موارد الجنوب الاقتصادية وإشراكهم بما يتناسب مع منطقتهم الزاخرة بالثروات الطبيعية المتعددة, وفقا لمعايير العدل ورفع الظلم والمعاناة عنهم.

وهي حقوقية تتمثل في إعادة الاعتبار لهم وتسوية أوضاع المسرحين من أعمالهم في جميع مجالات العمل الوظيفي في القطاعين المدني والعسكري.

وقد بات واضحا للعيان اليوم أن معاناة المواطن اليمني متشابهة من شماله إلى جنوبه ومن غربه إلى شرقه مع مراعاة خصوصية الجغرافيا والفوارق الموضوعية.

فدولة المؤسسات القائمة على العدل التي تحافظ على الثوابت الدينية والوطنية والتي تستمد أنظمتها من أحكام الشريعة الإسلامية وتعمل على تطبيق ذلك في عامة مناحي الحياة, مع الاستفادة من النظم الانسانية والتجارب البشرية التي لا تعارض كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, والتي تقوم على مبدأ الشفافية وإعطاء الحقوق والشراكة الحقيقة لأبناء المجتمع اليمني عموما هي المخرج الآمن والأمل المنشود مع تحقيق الحريات المعتبرة والحقوق المشروعة والتنمية الشاملة وترسيخ الأمن وبناء الجيش على أسس إيمانية ومهنية ووطنية من جميع مناطق اليمن بعيدا عن الولاءات المناطقية والقبلية وغيرها.

وهذا هو الذي نتطلع إليه اليوم ويتطلع إليه جميع أبناء اليمن في جنوبه وشماله.

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.

 

 

 

 



التعليقات